الحكيم الترمذي

61

أدب النفس

فتصير جذعا ، لا يثمر ، ولا يرجع عليك بالضرر . ثم لا يزال جذعا يعترض بين عينيك ، يشغلك عما سواه من الأشجار ، فتشعل فيه نارا ، حتى يذهب شخصه من بين عينيك ، فإذا هو قد ذهب أثره ، وذهب ذكره . وكذلك النفس : في التدبير ، أن تحبس عن النفس لذاتها ، وشهواتها ، حتى تذهب ثمراتها من هذه السموم القاتلة التي تميت قلبك في الدنيا ، فتصير أعمى من العميان في الدنيا ، بصيرا في دين اللّه جل وعلا ، فتقبل على مزيلة وهي الدنيا ، وإنما هي قنطرة ، تداولتك أيدي أسود وأبيض ، وهو الليل والنهار ، حتى يؤديك إلى الخالق الباري ، المثيب المعاقب ، فتعظم ما صغّر اللّه ، وتكرم من أهانه اللّه ، وتدنى من أقصاه اللّه ، وتتعلق بمن لا بد أن تفارقه ، وتعمر ما أذن في خرابه . فإذا ذهبت ثمراتها حبست عنها الفكرة فيها ، والحديث عنها ، والتذكرة لها ، حتى تيبس ، ثم لا تزال تمنيه شهواتها ، قائمة بينك وبين ربك ، تفرح بالعطاء ، وترضى بما تعطى به ، وتروم ما لم تعط ، وترى نفسها في الأشياء ، فهي تحجبك وتشغلك .